صحيفة "القدس العربي" تحاور الأديب والإعلامي البارز المختار السالم
السبت, 23 أغسطس 2014 16:22

altنواكشوط ـ «القدس العربي»:

شاعر عروبي، يكتب الشعر العمودي والحر والنثري، له ثلاثة دواوين وثلاث روايات، ومجموعة قصص قصيرة وأعمال أخرى قيد الكتابة.

 أشهر كتاب كلمات الأغنية الموريتانية الحديثة.. أمين الإعلام باتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين..معروف بصراحته وجرأته سياسيا واجتماعيا..يوصف بأنه «نزار قباني» موريتانيا، وهي صفة اكتسبها من حضور أجراس الخلاخيل وحفيف الأقراط بين ضفائر معظم قصائده.

من أشهر كتاب المقالات في موريتانيا..وهو أحد رواد الصحافة المستقلة في موريتانيا، ورأس تحرير عدة صحف خلال 1988 – 2003، وهو مع كل ذلك خبير في المعلوماتية، وكاتب صحافي يوصف بأنه صانع الأسماء المعروفة في موريتانيا.

كان لـ»القدس العربي معه حوار غاصت فيه أسنة الأسئلة إلى عمق حروف هذا الشاعر المتمرد، واستطاعت أن تخرج أثقال عبقريات تعبيره الشاعري الخاص:

- ما هي القصيدة التي كتبتها ثم ندمت على ولادتها ؟

٭ لم أندم على قصيدة كتبتها.. القصائد كالنساء لا تندم على الدخول في مخادعهن.. ندمي إنما هو على تلك المخادع التي لم أدخلها بعد… القصيدة التي لم أكتبها بعد هي التي أندم على أنني لم أكتبها.

- كيف تتوارد عليك القصيدة: هل تكتبها أم تكتبك؟

٭ الملائكة لا تأتي بالشعر إلى البشر.. والعفاريت لا توحي للشعراء، إذ لو كان الشياطين يكتبون الشعر لانتفت عنه الصفة الشيطانية.. إذا، القصيدة إنتاج ذهني بشري وإن كانت كالسيل يجرف معه الكثير، ويغير في جو وجغرافية المكان والزمان، وما يميزها أنها تكتب من القلب.. وما يزال القلب عصيا على التحليل.. والقصيدة حالة شعورية تنتاب الشاعر فجأة وتفرض نفسها فيقرضها الشاعر وهو نصف واع في حالة من السمو الروحي، والجمال الأسطوري الذي يرفرف كالفراشات في أعصابنا.

- القلم أم أزرار الحاسوب أيهما أكثر استدرارا لشعرك لحظة الكتابة؟

٭ الشعر يقرض ولا يكتب.. وهذه الأدوات .. الأقلام والكراسات الملونة والممحاة وقلم الرصاص، ولوحات المفاتيح.. كلها تحفز الشاعر لأن يدون خواطره ومشاعره التي يسميها الناس شعرا.

- هل الشاعر يحبل بالقصيدة ثم يلدها ؟

٭ أحيانا.. نعم.. ففي بعض الفترات تنضج القصيدة في الذهن تدريجا… إلى أن تحين لحظة الفيض فتنسكب مثل حليب الشمس.. وأحيانا تأتي القصيدة دون مقدمات وحتى دون تفكير، ولا تقبل المراجعة والتنقيح.. وغالبا ما تباغتني القصيدة وترتب مكانها في أعصابي بطريقتها الخاصة، فأدونها، ولا أزيد على نقلها من صورة ذهنية إلى عالم التحبير.

- أي شاعر تعتبره ملهما لك؟ ٭

كل شاعر يحمل هذه الصفة.. وعلى كل حال كبار شعراء الحضارة، وعلى رأسهم طيب الذكر أبو الطيب المتنبي، مع أني أجد في شعراء مغمورين أودية مخملية من الإبداع.

- ما رأيك في سيطرة الزجل الشعبي على الذائقة المحلية وتراجع تذوق الفصيح في أرض المليون شاعر؟

٭ لا أتفق معكم في ذلك، فالزجل، والدبكة، وغيرهما من الفنون الشعبية تبقى إبداعا غير عالم.. والإبداع لا يكون جوهريا إلا إذا كان إبداعا مثقفا.. ولو كتبه صاحبه على أخفاف النوق.

وإذا تمعنت جيدا فإن الخلود الأدبي، غالبا ولا أعمم، لم يكن إلا من نصيب الأدب المكتوب باللغات العالمة.

- هل المختار السالم الشاعر مصباح يحترق ليضيء أم نيزك يريد أن يفجر الواقع ؟

هذا وذاك.. وإن كان الشعر حالة أسمى من المصباح والنيزك وهو حجر سيىء الحظ شارد فضائيا.. الشاعر هو الروح البشرية، وليس مطلوبا منه القيام بوظيفة السمكري، أو المهرج.. وإنما يغذي أرواح الناس بنسغ الحياة السامي.. وهذا ما تقوم به القصيدة دون حدود «مصباحية» أو «نيزكية».. الكل يمتحنه التاريخ.. إلا الشاعر فهو الذي يمتحن التاريخ، ويضع له الدرجات، ويوبخه، فالشاعر، أي شاعر، لا يمكنه مهادنة خمول التاريخ بغض النظر عن الزاوية التي ينظر منها الآخرون إلى العالم.

- في شعرك تفجير للحرف، هل هي سجية في شاعريتك أم افتعال وتزويق ؟

٭ الشعر قدر ينزل كما هو، وليس مهنة تحترف.. ولا أتصور شاعرا يجلس ليزوق قصيدته، فيمشط ضفيرة هنا ويضغط حلمة نهد هناك، ويقلم أظافر، ويصبغ شفاه.. هذا ليس دور الشاعر، وإنما دور صالونات التجميل.. القصيدة كائن فطري حساس.. وإذا استخدمت فيها المشارط والمبارد فعندها تتحول القصيدة إلى كلام عادي لا يتجاوز إما الحوار اليومي في أي حانوت، أو تابوهات فلسفية أو هرطقة في أحسن الأحوال.. إن القصيدة هي الكائن الوحيد في هذا العالم الذي يولد مكتملا، ولا يجوز المساس بخلقه وخلقه.

- هل تشعر بالقصيدة قادمة من عالم غيبك أم أنك تصنعها صنعة ؟

٭ لم يأت شاعر في التاريخ بجواب على مثل هذا السؤال الذي يتكرر كثيرا.. لأن كل شعراء العالم لا يعرفون كيف تأتيهم القصيدة.. إنهم يعلنون أنها ولدت فحسب..ما عدا ذلك دجل وتزوير.

- ماذا تمثله بالنسبة لك (نعم) وما الذي تمثله (لا)..وأي الحرفين أحب إليك؟

٭ ما يمثله كل منهما في سياقه المشرف.

- هل السياسة في شعرك مادة أولية أم توابل وموالح؟

٭أنا رجل مسكون بهموم أمتي العظيمة المنكوبة، الأمة التي أعطت للبشرية أول أبجدية في التاريخ، وحملت إليها آخر رسالة سماوية.. هذه الأمة تتعاورها كل الأمم الأخرى خوفا من نهوضها المحتوم.. لذلك من الطبيعي أن تكون قصائدي سياسية حتى ولو ظهرت في ثوب غزلي..

- ما الصوت الذي يطربك حتى الثمالة؟

٭ مؤكد أنه ليس صوت حماتي… كل صوت جميل يطربني.. وخاصة أم كلثوم في كل روائعها.. وفيروز حتى بذكر اسمها.. وهناك أصوات من كل العالم تطربني.

وأنا أتذوق كل موسيقى العالم.. وهناك موسيقى المنبع.. خرير المياه.. سيمفونية زقزقة العصافير وهي تبشر بالفجر، قهقهة الطفل، وضحكات العذارى المائسات، والأحداق المقمرة.. ألحان السنابل في لقاء حميم مع النسيم.. الألحان الداخلية التي لا أعرف التعبير عنها..

- هل لأوجاع الأمة دور في تمرد قوافيك؟

٭ القصيدة هي الشاعر بحياته.. بهمومه وأفراحه، فلسفته وأفكاره.. مشاعره في كون يرغمنا على السكر من قدح التأمل.. أنا من أمة عظيمة منكوبة.. الفرح فيها هو الأقل منسوبا.. لذلك كل قصائدي سياسية حتى وإن ظهرت بثوب غزلي.. وأنا على يقين تام من أن أمتي ستتحرر وتنهض وتأخذ مكانها بين الأمم الكبيرة، وتلعب دورها في هرم المسيرة الإنسانية الخالدة، رغم أن الإنسان وصل هذا الكوكب عقابا على أكل فاكهة، فإذا هو اليوم يأكل لحم أخيه… هذه الأمة العربية التي أنتجت أول أبجدية في تاريخ البشرية، الأمة التي أنجبت محمدا صلى الله عليه وسلم، والأمة التي سرقت الأمم إنجازاتها واكتشافاتها وتآمرت عليها في غرف سايس بيكو وإخوته… هذه الأمة مستعدة اليوم أكثر من أي وقت مضى لتقديم التضحيات في سبيل كرامتها وتحررها.. وهيأ أمة لا يمكن أن تموت.. مهما فصل من خرائط في مواخير الغرب.

-كيف وجدت كلماتك طريقها إلى الأوتار؟

٭ كان ذلك حين قرر نخبة من عباقرة الأغنية الموريتانية تحديث هذه الأغنية… وحين طلبوا مني كتابة قصائد غنائية… وكان لي الشرف أن غنيت لي أيقونة الفن الموريتاني وعضو مجلس الشيوخ الموريتاني الفنانة الكبيرة المعلومة بنت الميداح وأنا أتعتب المراهقة.. ثم الفنانة الرائعة لبابة، والعالية.. وأخريات.. أعتقد ّأن الوتر هو الذي بحث عن كلمتي ليعقد عليها قرانه في زفاف يشبه ما يحدث بين البرق والغيم.

- هل تنظر للحظة أم للغد أو لأمس أم للآن الدائم..أم أنت خارج عن كل هذا ؟

٭ الشاعر الحقيقي هو الذي يجمع الأزمنة الثلاث في ساعة واحدة عقاربها من الضوء والنسيم والورد.. والزمن بالنسبة للشاعر وحدة لا تتجزأ… الشاعر، أي شاعر لا ينظر إلى الوراء وإنما يستحضر الماضي جزءا أصيلا من الغد المحتوم في مسيرة أمته.

– هل زمانك في مكانك أم مكانك في زمانك؟ ٭

وحده الشاعر هو من يحيل المكان إلى زمان، والعكس، إن التوقيت في معصم عزة ما يزال المكان الذي رسمه كثير.. والمكان في خصر دعد وهند وليلى والرباب وأروى هو ذلك الزمن الذي وشمه الشعراء الكبار، أو العشاق الحقيقيون الذين آثر لهم القدر منتبذ الحرف والمقامات العالية.

عبد الله مولود